حبيب الله الهاشمي الخوئي

19

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لا دوام لها ( أكَّالة غوّالة ) أي كثيرة الأكل والاغتيال للنّاس مثل السّبع العقور الذي يأكل النّاس ويغتا لهم أي يأخذهم ويهلكهم من حيث لا يدرون ولا يشعرون ( لا تعدو إذا تناهت إلى امنيّة أهل الرغبة فيها والرّضا بها أن تكون كما قال الله تعالى ) يعني أنها إذا بلغت وانتهت إلى غاية ما يريده الراغبون فيها والرّاضون بها لا تعدو ولا تتجاوز عن كون حالها مثل المثل الذي ضرب الله سبحانه لها حيث قال في سورة الكهف : * ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه ُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه ِ نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه ُ الرِّياحُ وَكانَ ا للهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) * . فانّ المراد بالآية تشبيه حالها في نضرتها وبهجتها وزهرتها وكونها على وفق منية أهلها وطبق بغية طالبيها مع ما يتعقّبها من الهلاك والفناء بحال النّبات الحاصل من الماء يكون أخضر ناضرا شديد الخضرة والطراوة يعجب الزّرّاع ثمّ ييبس فيكون هشيما تذروه الرياح ، وهو من باب التّشبيه المركب على ما حقّقناه في الدّيباجة . ( لم يكن امرء منها في حبرة الَّا اعقبته بعدها عبرة ) يعنى أنّ سرورها ولذّتها معاقب للحزن والحسرة ، ونعمتها منابع للنقمة ( ولم يلق من سرّائها بطنا إلَّا منحته من ضرّائها ) أي لم يلق امرء من خيرها وفضلها بطنالها إلَّا بذلته من مشقّتها وشدّتها ( ظهرا ) لها وهو كناية عن كون اقبالها ملازما لادبارها وكون خيرها معقبّا لشرّها . والمقصود أنّه إن أقبلت إلى أحد بالخير والمنفعة واستقبلته بالوجه والبطن عقبت ذلك لا محالة بذلّ الضرر والمشقّة وأردفتة بالضرورة بالادبار ، وبما ذكرنا علم وجه تخصيص البطن بالسّراء والظَّهر بالضّراء ، فانّ من يلقى صاحبه بالبشر والسّرور يلقاه بوجهه وبطنه ومن يلقاه بالمسائة والتنكير يلقاه بظهره مولَّيا عنه دبره . وقوله : منحته ، من باب الاستعارة التهكَّمية إذ المنح هو البذل والاعطاء اعني ايصال النّفع فاستعير لا يصال الضّرر على سبيل التهكَّم نظير قوله تعالى : فبشّرهم